بين العلم والثقافة

✍️ محمد سليمان نصر الله الفرا

الثّقافةُ الشّرعيّةُ القائمةُ على الفهمِ العامِّ للإسلامِ وغاياتِهِ الكبرَى، ومعرفةِ أحكامِه القطعيَّةِ ومسائلِهِ المشهُورَةِ، تزيدُ صاحبَها قناعةً بصَلاحِ الإسلامِ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، وانصلاحهِمَا بِهِ دونَ غيرِه، وتُعطيِ المُتسلِّحَ بها نوعاً من القُدرةِ علَى التَّعامُلِ مع النُّصوصِ الشرعيَّةِ، والكتاباتِ الفقهيَّةِ واضحةِ العبارةِ، وتورِثُهُ قدرةً عامّةً علَى الدِّفاعِ عن أحكامِ الشَّرعِ فِي وجهِ محاولاتِ التّغريبِ المُستمرَّةِ.

لكنَّها وحدَهَا لا تكفِي لصنَاعَةِ عالِمٍ قادِرٍ علَى استنباطِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وتصوُّرِ دقائِقِ المسائلِ الفقهيَّةِ، والنَّظرِ فِي النوازِلِ والمستجدَّاتِ المُعاصرةِ؛ ذلكَ أنَّ فهمَ الدَّليلِ الجُزئيِّ، المحكومَ بقواعدِ الاستنبَاط السَّليمَةِ، فِي ضوءِ مقاصِدِ الشَّرعِ المُستقِيمَةِ، يحتاجُ – قَطعاً – إلى امتلاكِ أدواتٍ مؤثِّرَةٍ في الاستدعاءِ، والفَهمِ، والتَّركِيبِ، والتطبِيقِ، والتَّقييمِ، وهي بحاجَةٍ إلى دراسَةٍ وتتلمُذٍ، وبناءٍ علميٍّ تراكُميٍّ، مُتراكبٍ ومتنَاسِقٍ، وقلَّ مَن يحُوزُهُ مِن طلبةِ العِلمِ المُجِيدِينَ.

ولذلكَ فإنَّ مِن المزَالِقِ الخَطِيرَةِ التِي يقعُ فيهَا بعضُ المُثقَّفينَ الشرعيِّينَ، توهُّمًهم أنَّهُم بقراءَتِهم لعددٍ مِن الكتُبِ الفِكريَّةِ، والمقالاتِ الشَّرعيَّةِ، وحفظِهم بعضَ الآياتِ والقرآنيَّةِ، والأحاديثِ النبويَّةِ، قَد امتلكُوا آلَة الاجتهادِ الشَّرعِيّ المُطلقِ، وأضحَوا مؤهَّلِينَ للنَّظرِ فِي النَّوازلِ، والفتوَى فِي القضايَا العامَّةِ والخاصَّةِ، ووزنِ المصالحِ والمفاسدِ، وترتيبِ الأولويَّاتِ الشرعيَّةِ.

فنشَأَ عَن ذلكَ خللٌ في التَّصوُّرِ، وانحرافٌ في الفهمِ، وتجديفٌ في الطَّرحِ، أدَّى إلى ظُهورِ عددٍ من المُتسوِّرينَ على الدِّينِ مِن غيرِ بابِهِ، لا يرَى أحدهُم بأساً في الإجهَاضِ؛ بُغيَةَ تَحقِيقِ مقصِدِ الشَّرعِ فِي السَّترِ علَى الزُّناةَ، ولا يجدُ حرجاً فِي شرعنَةِ التبرُّجِ المحرَّمِ قَطعاً؛ بدعوَى مراعَاةِ مَقصِدِ الشَّرعِ فِي صيانَةِ الحريَّاتِ، والتزامِ قواعِدِ التدرٌّجِ في تطبيقِ الأحكامِ، والدَّعوةِ إليَها!!

بل أمسيتَ تشاهدُ مَن يتجرَّأُ على المناقشةِ في ثوابِتِ التَّشريعاتِ، وقطعيَّاتِ المسَائِلِ علَى شبكاتِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، ومنابرِ الإعلامِ البدِيلِ؛ كعدَّةِ الطَّلاقِ، وحدادِ المتوفَّى عنَها زوجُهَا، وزواجِ المُسلمةِ من غيرِ المُسلمِ، وإمامةِ المرأةِ للرِّجالِ في الصَّلاةِ، وتقليدِ الإمامةِ العظمَى للمخالِفِ فِي الدّينِ، وثبوتِ حدِّ الردَّةِ، والزِّنَى، وغيرُ ذلكَ كثيرٌ!

إنَّ هؤلاءِ الهواةَ قد وقعُوا في فخاخٍ خطيرةٍ، وأتوا بمنهجٍ سقيمٍ، ضيَّعَ من الدِّينِ أضعافَ ما حَفِظَ؛ ذلكَ أنَّهُم أعمَلُوا القواعِدَ الشرعيَّةَ العامةَ، والمقاصدَ الكليَّة العَادِلَةَ فِي فَهمِ كثيرٍ مِن المَسائِلِ دُونَ وقوفٍ على النُّصوصِ الجزئيَّةِ، والأدلَّةِ النقليَّةِ الثَّابِتَةِ، أو قدَّمُوهَا عليهَا، ومَعلومٌ أنَّ المَقاصدَ بنتُ النُّصوصِ، ومبنيَّةٌ عليهَا، ولا تعارُضَ بينَ النَّصِّ ومَا انبنَى عليهِ، والفَرعُ لا يتقدَّمُ علَى أصلِهِ.

بل إنَّ تصدُّرِ أهلِ الثَّقافةِ العامَّةِ للفُتيا، وجرأتَهُم على القَولِ فِي دينِ اللهِ بغيرِ علمٍ، وتغوُّلَهم علَى قَواعدِ الشَّرعِ ومقاصِدِه، قد جعلَها عائدةً علَى أصولِها الثَّابتَةِ بالإبطالِ والمُناقضَةِ، وهذا قائدٌ لا محالَة إلَى التَّحلُّلِ مِن أحكَامِ الإسلامِ الثَّابتةِ، وتقديمِ صورَةٍ مُحرَّفَةٍ لدِينِ اللهِ، ستؤدِّي بعدَ سنواتٍ مِن الآن إلَى تحريفِ أصولِهِ كمَا حَرَّفَ هؤلَاءِ عدداً مِن فُرُوعِهِ، وهُم لا يعلمُون!!

إنَّ الواجبَ علَى أهلِ العِلمِ اليومَ هو أن يتصدَّروا المَشهدَ الشَّرعيَّ من جديدٍ، بعدَ اجتماعِ كلمَتِهِم، وترتِيب أولويَّاتِهم، واتّفاقِهِم علَى مناهِجَ واضحَةٍ، وخطواتٍ مدروسَةٍ؛ لعلاجِ المجتمعِ من هذهِ الآفاتِ، ووقايَةِ أبنائهِ من الانفلاتِ، ولا يمنعَنَّ أحداً خوفُهُ مِن مُخالفةِ العامَّةِ لهُ، أو ولوغِ الرِّعاعِ في عِرضِهِ، أو اتّهامِهِ بالرجعيَّةِ والتَّخلُّفِ، من الصَّدعِ بالحقِّ، وبيانِ حُكمِ الإسلامِ في القضايا العامَّةِ والخاصَّةِ؛ طالمَا كانَ مبنيّاً على رُؤيةٍ واضحَةٍ ومنهجٍ سليمٍ.

وعلَى اللهِ قصدُ السّبيلِ.

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *